خطاب القائمة بأعمال رئيس الوزراء ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني أثناء النقاش حول النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني تحت عنوان- "يكفي يعني يكفي" والذي جرى خلال جلسات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
حضرة الرئيس المحترم،
الرئيس عباس ،
زملائي،
الوزير بيرس،
سيداتي وسادتي.
بعد أن شاهدنا جميعاً هؤلاء الأولاد والشبان المدهشين, الذين كانوا يناشدوننا أن نصنع السلام، وبعد الاستماع الى كلمة الرئيس عباس، اعتقد اننا شاهدنا جميعاً ذلك بمشاعر مختلطة – فمن ناحية، هناك نوع من الحزن بسبب الفرص الضائعة، ومن ناحية أخرى، هناك الأمل. لقد منحوني الأمل، رغم اعتقادي ان مسؤوليتنا تقضي بأن نقوم نحن بمنحهم الأمل. اعتقد أن هذا شيء نحن مدينون لهم به. انهم أولادنا وهم مستقبل شعوبنا. اعتقد انه اذا كان هناك شيء يمكن أن يخرج من هذه القاعة، فهو وعد لأجيالنا القادمة، الفلسطينية والإسرائيلية، باننا سنبذل قصارى جهدنا لاحلال السلام في منطقتنا. ومن أجل توفير مستقبل أفضل، يجب علينا أن نتمسك برؤيا الدولتين، دولتان تعيشان جنباً الى جنب بسلام، وأن نفحص، حتى في أصعب الاوقات، أفضل السبل لتحقيق هذا الهدف او المضي قدما بالعمل على تحقيقه. صحيح انه في كلا مجتمعينا –الإسرائيلي والفلسطيني-، هناك في بعض الاحيان توجسات قوية بشأن امكانية انهاء النزاع وتحقيق السلام. واذا نظرنا الى تجربة الماضي، يمكنني تفهم مثل هذه التوجسات. اذ سبق وجربنا في الماضي كل شيء. لقد جربنا ما سُميًّ بسياسة الخطوة بعد الخطوة فيما يتعلق باتفاقيات أوسلو، والاتفاقيات التي وقعت فيما بعد. كانت الفكرة خلق الثقة، لكن لسوء الحظ، خلقت تلك السياسة انعدام الثقة.
حاولنا انهاء اللعبة – في كامب ديفيد عام 2000 – حيث كانت الفكرة تشمل محاولة لانهاء النزاع. لم تتمخض هذه المحاولة عن اي اتفاق، لكنها أدت الى خيبة الأمل، وهذا ايضاً جزء من واقعنا. كما قمنا بتجربة خطوة أحادية الجانب- خطة الانفصال - والتي قامت إسرائيل بموجبها بإزالة المستوطنات واخراج قواتها من قطاع غزة. وكان ذلك يهدف الى ايصال رسالة الى الفلسطينيين بان إسرائيل تنوي العمل وليس القول فقط، اننا نرغب في إزالة مستوطنات، واننا نريد العيش بسلام واعطاء الفلسطينيين فرصة لتحويل غزة الى نجاح يؤدي بالتالي الى انشاء دولة فلسطينية. لكن النتيجة كانت أن أصبحت غزة الآن مرتعا للإرهاب، تحكمه حماس، ومنظمات إرهابية.
مع ذلك لا زلت أعتقد بان هذه كانت خطوة في الاتجاه الصحيح. وانا لست بآسفة على ذلك. لكن بغية تحقيق السلام والتقدم بالعملية، يجب علينا أن نتمسك برؤيا حل الدولتين، وفحص أفضل الخطوات من أجل تحقيق هذا الحل.
إن الخطة الحالية، خريطة الطريق، هي مزيج من المواقف المختلفة. من جهه، فانها توفر أفقاً سياسياً للفلسطينيين في نهاية الطريق- اقامة دولة فلسطينية. ومن جهة أخرى هناك خطوة أولى يجب اتخاذها من جانب الفلسطينيين وهي تفكيك المنظمات الإرهابية بغية افهام الإسرائيليين والتأكيد لهم بان الدولة الفلسطينية لن تكون دولة إرهاب. الفكرة هي وجود دولتين تعيشان جنباً الى جنب بسلام. هذه عملية تقوم على سياسة الخطوة تلو الخطوة، وتعطي للفلسطينيين أفقاً سياسياً حقيقياً.
اعتقد ان الأفق السياسي حيوي لكلا شعبينا- فهو يوفر من جهة اعطاء مفهوم واضح حول رؤيا الدولة الفلسطينية، والادراك ان الدولة الفلسطينية ليست وهماً. ان اقامتها أمر ممكن تحقيقه، وفي نفس الوقت، اعطاء الإسرائيليين ضمانات تؤكدً ان ما يقدمونه من تنازلات لن يهدد حياتهم.
لذا، اعتقد انه من المهم أن نحاول الادراك- هل يمكننا حقاً أن نتفق على نفس الرؤيا؟ على اننا نستعمل نفس الكلمات، حل الدولتين، تعيشان جنباً الى جنب بسلام. يبدو اننا نتشارك في نفس الرؤيا، لكن يجب أن ندرك ونفهم ان كان هذا مجرد نوع من الخطابة او ان المقصود هو جوهر هذه الرؤيا.
ماذا يعني مفهوم الدولتين؟ دولتان – وطنان لشعبين مختلفين. الأول هو إسرائيل, وطن قومي للشعب اليهودي، دولة توفر ملاذا ً لليهود من أوروبا واولئك الذين اضطروا الى مغادرة دول عربية والقدوم الى إسرائيل بصفتها وطنهم القومي. وقد وفرت إسرائيل باقامتها الرد القوميً للشعب اليهودي – أولئك الذين يعيشون اليوم في إسرائيل وأولئك الذين يعيشون خارج إسرائيل ايضا.
هكذا الحال ايضاً بالنسبة للدولة الفلسطينية. إن اقامة دولة فلسطينية كوطن للفلسطينيين سيوفر الرد القومي للشعب الفلسطيني أينما وجد – سواء الذين يعيشون في مناطق السلطة الفلسطينية او الذين يعيشون خارجها, يشمل ذلك اللاجئين ايضا. لذا فان اقامة دولة فلسطينية هي الرد القومي للفلسطينيين، وهو الحل الوحيد والعادل لقضية اللاجئين.
دولتان او وطنان، تعيشان جنباً الى جنب بسلام. ويهم جدًا أن تعيش هاتان الدولتان جنباً الى جنب بسلام وأمن. هذا يعني اننا لن نسمح بأن تكون الدولة الفلسطينية كياناً إرهابياً. ولا يمكن أن تـُحكم تلك الدولة من قبل منظمة إرهابية.
إن المرحلة الأولى من خريطة الطريق تحدد هذا الامر وتحدد ايضاً الشروط التي وضعها المجتمع الدولي وتبنتها الرباعية الدولية بعد نشر نتائج الانتخابات في السلطة الفلسطينية. وهذه المتطلبات نفسها تـُطلب من اي حكومة فلسطينية – ليس فقط قبول الاتفاقات التي وقعت في الماضي بين إسرائيل والفلسطينيين. ولكن ايضاً قبول حق إسرائيل في الوجود، ونبذ العنف والإرهاب. هذه المتطلبات هي جزء من اي عملية، وهي لا تشكل عقبة. نحن لا نريد تقديم أعذار بهدف عدم التقدم في العملية السلمية، لكننا نريد أن نتقدم بالعملية في الاتجاه الصحيح. لذا فان هذه المتطلبات هي جزء من اي عملية ويمكنها أن تـُسهل اي عملية حقيقية.
لا أريد التطرق الى الحدود المستقبلية للدولة الفلسطينينة، لكن بما ان الرئيس عباس قد ذكر حدود عام 1967، أريد أن أقول عدة كلمات بهذا الصدد. عام 1967 لم تكن هناك دولة فلسطينية ولم يكن هناك تواصل جغرافي بين قطاع غزة والضفة الغربية. لذلك نحن نريد خلق شيء جديد. اعتقد ان اقامة دولة فلسطينية هي مصلحة إسرائيلية مثلما هي مصلحة فلسطينية، لكن الحدود المستقبلية هي جزء من المفاوضات التي ستجرى في المستقبل بين إسرائيل والفلسطينيين.
الآن ولاجل تحقيق هذه الرؤيا، يجب أن نأخذ بالحسبان ايضاً المعركة التي تدور في المنطقة.بين المعتدلين، الذين التزموا برؤيا حل الدولتين، وبين المتطرفين الذين التزموا بنسف هذا الحل وافشاله.
بالنسبة لطهران، حزب الله ومنظمة حماس، فان النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني ليس سياسياً بل دينياً، وحل الدولتين لا ينسجم مع أجندة البغضاء والكراهية. انهم يعارضون التعايش السلمي وحل الدولتين ليس لأسباب سياسية بل لاسباب عقائدية. النزاع هو نتيجة هذه العقيدة وليس بسببها. ويترتب على الزعماء المعتدلين تقديم الردود للتهديدات الجديدة في المنطقة، لكن هناك ايضاً فرص، لاننا نتشارك في نفس الأهداف ونفس الرؤيا مع جميع المعتدلين في المنطقة.
إن التحدث عن إسرائيل وعن المعتدلين في السلطة الفلسطينية وعن الزعماء المعتدلين من العرب والمسلمين وعن المجتمع الدولي والعالم الحر، ليس مجرد لعبة. فدعم إسرائيل لا يعني معاداة الفلسطينيين، وتأييد المعتدلين معناه الكفاح من اجل نفس الأهداف التي نؤمن بها جميعاً.
اذاً، هذه هي التحديات واعتقد ان هذا هو دور المجتمع الدولي: إضعاف المتطرفين وتعزيز قوة المعتدلين – وهذان الأمران يجب أن يحدثا في نفس الوقت. فمن جهة تعزيز قوة المعتدلين وتشجيعهم، ومن جهة اخرى، إضعاف قوة المتطرفين وممارسة الضغط عليهم وتجريدهم من الشرعية.
وما هي أفضل السبل لتحقيق ذلك؟
هذا ايضاً جزء من المفاوضات التي يجب أن نجريها مع الفلسطينيين. ولكن طبعاً ولغرض تعزيز قوة المعتدلين، فان جزءً من الجواب هو الدعم المالي الى جانب توفير آفاق سياسية، بحيث ان الناخبين في الانتخابات للسلطة الفلسطينية في المستقبل، يمكنهم الاطلاع على الاحتمالات وسوف يرون فروقات واضحة بين اولئلك الذين يمكنهم أن يقدموا الأمل على الصعيدين المالي والسياسي، وبين الذين لا يستطيعون تقديم أي شيء.
يجب على المجتمع الدولية أن يكون حازما كي يمنع وصول اي أموال الى المنظمات الإرهابية، في الوقت الذي يساند فيه المعتدلين. ونحن بدورنا نرغب في تقديم المساعدة قدر الامكان.
أعرف ان المجتمع الدولي يتوقع أن يرى تقدماً. اؤكد لكم باني لا أريد شيئاً أكثر من ذلك. هذا جزء من حلمنا وجزء من هدفنا. نريد أن نكون جزءً من هذه العملية. هذا هو حلمي، وحلمنا، هذا حلم الأولاد الذين شاهدناهم وكذلك حلم القيادة الإسرائيلية.
الركود ليس جزءا من سياسة الحكومة الإسرائيلية، لكن وفي نفس الوقت، يجب أن نبدي مسؤولية تجاه الأجيال القادمة. لا يمكننا أن نخدع أنفسنا بأوهام زائفة. يجب أن نتصدى للمشاكل التي نواجهها، وبضمنها الإرهاب رغم ان هذه مهمة صعبة. وهناك قرارات صعبة يجب أن يتخذها الجانبان.
قرار محاربة الإرهاب هو أحد هذه القرارات، ولا نستطيع أن نضع هذا القرار جانباً، لان جزءً من رؤيا الدولتين هو أن تعيش الدولتان جنباً الى جنب بسلام وأمن. أعرف ان هذا ليس أمراً سهلاً. كما انه يصعب عليّ أن اصوت الى جانب خطة الانفصال بين إسرائيل والفلسطينيين. لقد صوّتُ الى جانب اقتلاع إسرائيليين من مستوطناتهم، وذلك بغية إعطاء فرصة للسلام. لذا هناك قرارات صعبة، لكن أفضل وسيلة لمواجهة هذه التحديات هو تقديم أجوبة. ليس القول حسناً، هذا أمر صعب جداً، هيا نجد شيئاً آخر. لانه في نهاية المطاف يجب أن نقدم الأجوبة المطلوبة.
أرغب في التفاوض والتحدث ولقاء الفلسطينيين، لاني اعتقد ان هذا جزء من الحاجة لتقاسم الأفكاروتبادلها، والبحث عن القواسم المشتركة بيننا ورؤية ما الذي يمكننا تحقيقه. أرغب في الاستماع الى ما يقلقكم والى اهتماماتكم كما أريد منكم أن تشاركونا في اهتماماتنا.
هذا جزء من اي محادثات، واي اجتماعات، واعتقد ان هذه هي الخطوة الصحيحة التي يجب اتخاذها. لكن في الوقت ذاته، فان المفاوضات لا تحررنا من ضرورة تنفيذ وتطبيق ما اتفقنا عليه.
إن الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين تؤمن بحل الدولتين بكل ما لهذه العبارة من معنى. يجب أن اقنعهم ان هذه ليست مخاطرة لإسرائيل لكن هذه هي الرؤيا الحقيقية والصحيحة.
الرئيس عباس، أدرك انك تواجه قرارات صعبة. مهادنة المتطرفين لن تقدم اي شيء. لكنها ستقود الى مزيد من الركود. لقد اضعنا فرصاً في الماضي. كان يمكن للفلسطينيين الاحتفال بدولتهم المستقلة قبل ست سنوات، بعد كامب ديفيد، او حتى قبل 60 سنة بعد صدور قرار التقسيم من قبل الأمم المتحدة.
لا أقول ذلك لتوجيه اللوم – فانا لا أوجه لوما ً او أقدم أعذاراً، وليس هناك احتكار للاخطاء من كلا الجانبين. لكن الخيار ليس بين كل شيء او لا شيء. يجب أن نجد وسيلة لاحراز تقدم في العملية. ربما كان صحيحاً وجود تهديدات وتحديات جديدة نواجهها لكن هناك ايضاً فرص جديدة، لذا دعونا نأمل أن نتزود بالحكمة وبالشجاعة كي نتخذ القرارات الصائبة وننفذها من اجل بناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
قبل أن ندخل القاعة، اتيحت لي فرصة لقاء رئيس منتدى دافوس البروفيسور كلاوس شواب, وقد بحثنا ما هي أفضل وسيلة لتوجيه رسالة سلام الى الشرق الأوسط. قلت له أتعرف اننا في كل سنة في عيد الفصح اليهودي نقول: "السنة القادمة الى أورشليم القدس". لماذا لا يتم عقد المنتدى الاقتصادي العالمي في أورشليم القدس، كي يكون ذلك رسالة الى المنطقة، الى الإسرائيليين، الى الفلسطينيين والى الشباب هنا. سيكون ذلك هدفنا عام 2008، وآمل في أن نتمكن من توجيه هذه الرسالة من أورشليم القدس، الى الإسرائيليين، الفلسطينيين، والى المنطقة بأسرها، وسوف نفي بهذا الوعد للأجيال الصاعدة من خلال هذا المنتدى في أورشليم القدس.
شكراً لكم.