التواصل- وزارة الخارجية الإسرائيلية
   
 
التواصل     هذه هي إسرائيل     الديموقراطية والتعدُّدية     مكانة الوسط العربي في إسرائيل

مكانة الوسط العربي في إسرائيل

بقلم: إيلان يوناس

كيفية تعامل المجتمع مع الأقلّيات إنّما شكل من أشكال التعبير عن قيمه الديموقراطية. تلتزم إسرائيل وكجزء لا يتجزّأ من مبادئها, بضمان المساواة لجميع مواطنيها حيث تدأب الدولة على الوفاء بهذه المعايير التي حدّدتها لنفسها. رغم الوضع المستمرّ من الصراع مع الفلسطينيين ومعظم الدول العربية الذي فرض عليها تبقي إسرائيل على الوفاء بتعهدها المنصوص عليه في وثيقة الاستقلال "أن الدولة ستضمن المساواة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع مواطنيها دون التمييز على أساس ديني وعرقي وجنسي".
قرية الفريديس. التصوير: GPO يعقوب ساعار

أُنشئت إسرائيل ووفقًا لرؤيا مؤسّس الصهيونية السياسية الحديثة ثيودور هرتسيل وطنًا للشعب اليهودي وبالفعل يشكل اليهود أغلبية السكّان فيها, مع ذلك يتألّف المجتمع الإسرائيلي من ثقافات وقوميات وديانات كثيرة. لدى إقامة الدولة في عام 1948 وإدراكًا لهذا الواقع أعلنت إسرائيل أنّها تتطلّع لأن تكون مجتمعًا حرًّا ومتساويًا ومدّت رميًا يد السلام إلى الأقلّيات المتواجدة داخل حدودها وجيرانها العرب على حدّ سواء.

كما وتبنّت الدولة الحديثة الولادة منذ البداية نمط حياة ديموقراطي وقرّرت تعريف نفسها ليست دولةً يهودية فحسب وإنّما دولة يهودية وديموقراطية أيضًا وعليه فقد التزمت مخلصةً للهدف الذي أيّدته الأمم المتّحدة أي إقامة بيت قومي لأبناء الشعب اليهودي وفي الوقت ذاته تحقيق ما تبنّته من هدف ثانٍ وهو العمل كديموقراطية متقدّمة توفّر كامل المساواة لجميع مواطنيها.

منازل في قرية عارة العربية الإسرائيلية. التصوير: GPO موشيه ميلنر

يشكّل العرب نحو 20 بالمائة من سكّان إسرائيل التي أعلنت منذ أوّل أيام استقلالها وإدراكًا لأنّها ستشارك الأرض مع مجموعات سكّانية كثيرة أعلنت ما يلي:

"(إن دولة إسرائيل) ستضمن كامل المساواة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع سكّانها دون التمييز بينهم على أساس ديني أو عرقي أو جنسي, وستضمن حرّية العقيدة والضمير واللغة والتربية والثقافة وستحمي الأماكن المقدّسة لجميع الديانات, وستكون مخلصةً لمبادئ ميثاق الأمم المتّحدة" (عن وثيقة الإستقلال الإسرائيلية).

 

الآباء المؤسّسون للدولة ورغم شنّ الحرب عليهم وجّهوا الدعوة التالية إلى العرب في إسرائيل: " إنّنا وفي خضم هذا الهجوم الضاري الذي نتعرّض له منذ أشهر ندعو سكّان دولة إسرائيل العرب إلى الحفاظ على السلام والمشاركة في بنيان الدولة على أساس المساوة التامّة والتمثيل اللائق في جميع مؤسّساتها الموقّتة والدائمة" (عن وثيقة الإستقلال الإسرائيلية).

 

إختارت إسرائيل من خلال توجيه هذه الرسالة اختيارًا متعمّدًا يقول بدعم مبادئ المساواة والدفاع عن حقوق جميع الأفراد داخل حدودها. تمشّيًا مع ها الاختيار يتمتّع كل مواطن إسرائيلي وبموجب القانون بحقّ الترشّح والترشيح, كل إنسان له الحقّ بموجب القانون في الاحتفاظ بعقيدته وثقافته ولغته الخاصة وممارستها, كل إنسان حرٌّ في أن يعيش حياته وفقًا لما يوجّهه ضميره.

تعيش أغلبية السكّان العرب في إسرائيل في بلدات وقرى تتمتّع بالاكتفاء الذاتي الجليل والنقب وفي المراكز الحضرية المختلطة.ينتمي معظم السكّان العرب في إسرائيل إلى قطاع العمّال في الطبقة المتوسّطة ويشكّلون أقلّية تنطق باللغة العربية إلى جانب أغلبية تنطق بالعبرية. يتم الإبقاء على الوجود المنفرد لهذه المجموعة السكّانية التي لا تنصهر على العموم بطرق شتّى منها استخدام اللغة العربية وهي ثاني لغة رسمية في إسرائيل ونظام المدارس المنفصل والإعلام الجماهيري والأدب والمسرح العربي إضافة إلى الحفاظ على استقلالية المحاكم الدينية الإسلامية والدرزية والمسيحية تحكم في شؤون الأحوال الشخصية.

 

القاضي في المحكمة العليا سليم جبران

في الوقت الذي تبقى فيه العادات جزءًا من الحياة اليومية ثمة عناصر كضعف السلطة الأبوية والقبلية والتعليم الإلزامي والمشاركة في العملية الديموقراطية الإسرائيلية تؤثّر بسرعة على وجهات النظر الأنماط الحياة التقليدية. بالتزامن مع ذلك شهدت مكانة المرأة العربية تحرُّرًا ملحوظًا من خلال تشريعات تنصّ على مساواة الحقوق للنساء وحظر تعدُّد الزوجات وزواج الأطفال.


تلقى المشاركة السياسية للوسط العربي تعبيرًا لها في الانتخابات البلدية والقطرية مع العلم أنّ المواطنين العرب يتولّون بنفسهم إدارة الشؤون السياسية والإدراية لبلدياتهم فيما يمثّل المصالح العربية ممثّلوهم المنتخبون في الكنيست الذين ينشطون على الحلبة السياسية للنهوض بمكانة مجموعات الأقلّية وحصّتهم في الفوائد الوطنية.


خلال السنوات الأخيرة الماضية أخذ الوسط العربي يبرز أكثر فأكثر على الحلبة السياسية حيث تمّ تعيين أوّل قاضٍ عربي في المحكمة إضافة إلى أوّل نائب وزير عربي عيّن في الحكومة الإسرائيلية. كما وينخرط مواطنون عرب في الخدمة الخارجية دبلوماسيين وسفراء لإسرائيل.
كما هو الأمر بالنسبة لأوساط اثنية أخرى في البلاد يتمّ التشجيع على القيام بنشاطات ثقافية عربية والحفاظ على التراث الحضاري العربي من قبل موسّسات حكومية وتطوعية مختلفة تقدّم المعونة والمساعدة بدءًا بالمنح للفنّانين والكتّاب وحتّى دعم المتاحف والمراكز الثقافية.

الدبلوماسي الكبير علي يحيى أوّل سفير إسرائيلي عربي

في الوقت ذاته وأخذًا بالاعتبار أبسط حقوق المساواة الممنوحة لجميع المواطنين وتمشّيًا مع المبادئ المنصوص عليها في وثيقة الاستقلال تقرّ الدولة بضرورة العمل على سدّ الفجوات في مجالات اجتماعية مختلفة حيث يلتقي أعضاء المنظّمات والنشطاء اليهود والعرب أسبوعيًا لمناقشة قضايا عدم المساواة. بالإضافة إلى ذلك يلعب الجهاز القضائي هو الآخر دورًا هامًّا في النهوض بالمساواة في المجتمع الإسرائيلي إذ تنظر المحاكم في اعتراضات وملفّات تقدّمها الجميع بغض النظر عن انتمتئهم القومي والديني والعرقي وتتمعّن الهيئات الإسرائيلية ذات الشأن في كل حالة من التمييز أو التصرُّف المسيئ اهتمامًا بعدم تكرار أخطاء كانت قد ارتكبت على ما يبدو.

وقد جاء في حيثيات تقرير أصدرته لجنة تمّ تشكيلها للتحقيق في مقتل عدد من المواطنين العرب خلال اضطرابات وقعت في الوسط العربي في أكتوبر/تشرين الأوّل 2000:
"إن كيفية التعامل مع السكّان العرب موضوع في غاية الأهمّية والحساسية على أجندة الدولة الداخلية... يتطلّب الاهتمام على المدى الفوري والمتوسّط والبعيد. إنّ تحقيق المساواة لمواطني الدولة العرب يجب أن يكون هدفًا مبدئيًا لها. تنبثق حقوق المواطنين العرب في المساواة عن طبيعة دولة إسرائيل الديموقراطية, وتشكّل المساواة أحد الحقوق الأساسية الممنوحة اكل مواطن من مواطني الدولة. يتنافى التمييز مع الحقّ الأساسي في المساواة والذي يشتمل عليه كما يرى الكثيرون حقّ جميع الأشخاص في الكرامة ويزداد الأمر أهمّيةً لدى مواجهة التمييز على أساس عرقي أو قومي ومن هنا فإنّ الدولة ملزمة بإزالة شوائب التمييز بحقّ مواطنيها العرب بكل ما له من شكل وتعبير" (لجنة "أور" سبتمبر/أيلول 2003).

وقد صرّح وزير العدل سابقًا يوسف لابيد رئيس اللجنة الوزارية التي تمّ تشكيلها في أعقاب لجنة أور صرّح لدى تقديم نتائج تحقيق اللجنة الوزارية بأنّ:
"حكومة إسرائيل ملزمة بإحداث تغيير نمطي في العلاقات المتبادلة بين العرب واليهود من خلال الاعتراف بحقّ جميع الأوسط السكّانية في الاختلاف والمغايرة فيما بينها. والمغزى من ذلك أنّه لا يمكن منع العرب من التعبير عن حضارتهم وهويتهم. تستهدف سياسة الحكومة التوصُّل إلى المساواة في الحقوق والواجبات بالنسبة لجميع المواطنين في البلاد يهود وعربًا على حدّ سواء لينمّ الأمر في أسرع وقت ممكن".

قرّرت اللجنة الوزارية فيما قرّرت تشكيل هيئة حكومية تعنى بالنهوض والارتقاء بمكانة الأقلّيات في إسرائيل ووضع خطّة شاملة للوسط العربي بغية الإعداد لوضع مشاريع التخطيط والبناء في المجمّهات السكنية العربية, بل وأوصت اللجنة بتحديد ما سمّي "يوم التسامح" يومًا احتفاليًا يفسَح من خلاله مجال التعبير عن الحضارات المتعدّدة في المجتمع الإسرائيلي.

 

محمّد أبو الهيجاء. التصوير: عمرو أبو الهيجاء

محمّد أبو الهيجاء نشيطٌ وأحد سكّان قرية عين حوض العربية الواقعة في منطقة الكرمل, وقد أسّس في عام 1982 مع أعضاء عرب ويهود "جمعية لجنة الأربعين" وهي منظّمة تعنى وتكرّس عملها للتعايش السلمي بين اليهود والعرب والتقدّم بالمساواة لجميع الشرائح والقطاعات السكّانية في المجتمع الإسرائيلي والحصول على اعتراف رسمي بالقرى غير المعترف بها. يشغل محمّد حاليًا رئاسة قرية عين حوض وهو أحد أعضاء مجلس الكرمل الإقليمي أيضًا.

ناضل محمّد طوال سنين في سبيل الحصول على اعتراف رسمي بقرية عين حوض حيث منحت الحكومة الإسرائيلية القرية مكانةً رسمية تشهد حياة سكّانها نتيجةً لذلك تغييرًا جذريًا للأحسن إذ إنّهم يسكنون حاليًا في قرية  تمّ تحويلها إلى بلدة حديثة شأنها شأن غيرها من البلدات في إسرائيل بعد أن كانوا يعيشون في ظروف مزرية,يخشون الإجلاء. كما وتمّت مؤخّرًا المصادقة على مشروع  تخطيط للقرية التي انضمّت عضوًا عاديًا لمجلس الكرمل الإقليمي. استمزجنا محمّد رأيه حول المساواة في إسرائيل وما تحمله في طياتها بالنسبة للمستقبل فأجاب قائلاص: "بعد النضال الطويل من أجل الحصول على الاعتراف أدرك الآن كيف تستطيع مجموعة من الناس أو القرية الحصول في نهاية الأمر على مكانة رسمية لبيتهم والاعتراف بحقّهم في العيش قانونيًا في قريتهم بعد سنين طويلة. صحيح أنّ سنين طويلة قد ضاعت ولكنّه لإنجاز عظيم بالنسبة للجميع بل خطوة كبيرة إلى الأمام, وأخيرًا طبّقت حكومة إسرائيل سياسة المساواة تجاهنا وأنّني على أمل في أن تؤثّر قضيتنا إيجابيًا على قرى أخرى تعيش أوضاعًا مماثلة. تؤكّد هذه الخطوة على أنّ الأمل قائم في إحداث تغييرات أخرى للأحسن وتساعد على الإقناع بأنّ المساواة قابلة للحصول عليها مهما كان العمل صعبًا على ما يبدو."

تحقيقًا للمساواة في دولة تتّسم بالديناميكية يجب قبل كل شيئ وضع أسس تضمن استقرار الهيكل بعد اكتماله. إسرائيل دولة حديثة الولادة ما زالت في طور البناء حيث أنّ الأسس والأساسات المتينة التي كانت قد وضعتها تسهم في بناء مجتمع متساوٍ ومتقدّم رغم كل ما ينطوي عليه الأمر من مشاكل وصعاب, والأهمّ أنّ هذه الأسس والأساسات تضمن عدم انهيار الهيكل على رؤوس سكّانه مهما كانت الصعاب ليبقى المجتمع الإسرائيلي في التقدُّم على درب التزامها نحو المساواة الكاملة.
     

 

 

 


إيلان يوناس محاضر في كلّية القانون ومحام اختصاصي في مجال الحقوق المدنية. ينشط ويعمل مستشارًا قانونيًا لصالح منظّمات تعنى بحقوق الأقلّيات في إسرائيل.

أرسل إلى صديق
اطبع المقال
الإضافة إلى قائمة المواقع المفضّلة
           
     الردود (feedback) | خارطة الموقع