التواصل- وزارة الخارجية الإسرائيلية
   
 
التواصل     هذه هي إسرائيل     الديموقراطية والتعدُّدية     الديمقراطية الإسرائيلية في زمن الحرب

الديمقراطية الإسرائيلية في زمن الحرب

بقلم: يوفال كرنيئيل
" في أوقات التغير والخطر المحدق عندما يغلي بركان الخوف تحت التعقل يمتد خط الحياة مباشرة وباستمرارية من الحاضر المخيف ليتصل بأجيال مضت".
جون دوس باسوس
حافلة ركاب فجرها إرهابي فلسطيني في وسط المدينة. التصوير: ساسون تيرام

"يجب على الشعوب الديمقراطية أن تحارب الإرهاب مع المحافظة على التوازن بين القيم والمبادئ المتضاربة وهي في أقلها اثنتين – علينا من جهة اعتبار مبدأ توفير الأمن للدولة ومواطنيها. أما حقوق الإنسان فليست مبرراً للدمار القومي ولا يمكنها أن تبرر الانتقاص من الأمن القومي في جميع الحالات وتحت كافة الظروف. وبالمقابل فإن الدستور ليس وصفة للانتحار القومي. لكن من جهة أخرى علينا اعتبار القيم والمبادئ المتعلقة بكرامة الإنسان وحريته. لا يمكن للأمن القومي أن ينتقص من حقوق الإنسان في جميع الحالات وتحت كافة الظروف, ولا يمكن للأمن القومي أن يسمح بالمسّ بالفرد بلا هوادة.

القاضي أهرون براك, رئيس محكمة العدل العليا الإسرائيلية

إن البروتوكول التقليدي لأوقات الحرب ليس نافعاً بالضرورة في محاربة الإرهاب. يواجه المجتمعات الديموقراطية في أيامنا تحدي الحرب على الإرهاب الذي يهدد بضرب الديموقراطية ذاتها. عليه تُواجه هذه الشعوب مهمة صعبة في مواجهة هذا النوع من الأعمال بسرعة وحزم.

تُواجه كل دولة صراعاً حول هويتها الحضارية والسياسية لتتوصل إلى حلّّ عادل لهذه المسألة وهكذا هو الحال تماماً بالنسبة لإسرائيل.

إسرائيل ومن خلال التزامها كدولة بحماية القيم المتعلقة بالحريات الفردية والكرامة الإنسانية, تجد نفسها مضطرة للرد على الهجمات الإرهابية المستمرة والعنف والدعاية الموجهة ضدها بشكل يتلاءم وسلطة القوانين الديموقراطية. كان لمحكمة العدل العليا دوراً رئيسياً في الصراع لتثبيت مبادئ الأمة الديمقراطية. كما قال رئيس المحكمة العليا القاضي أهارون براك, "يجب  أن تتم مكافحة الإرهاب بضمن القانون ومن خلال الآليات القانونية والمتفق عليها في دولة ديموقراطية".

تدافع المحكمة في العديد من الحالات عن مواقف مخالفة لرأي بعض من الجمهور الإسرائيلي أو الشخصيات السياسية الإسرائيلية.

إن مكانة إسرائيل الفريدة كدولة ديمقراطية حقيقية وحيدة في الشرق الأوسط وحقيقة أن موجة الإرهاب المستمرة ضدها تهدد كيانها, يجب أن تتخذ مؤسساتها الأمنية خطوات سريعة وحازمة لحماية الجمهور الإسرائيلي ومنع المزيد من الهجمات. أحياناً تتصادم الخطوات الهادفة للحماية مع حقوق الأفراد الضالعين في الإرهاب.

يعي القاضي براك هذه القضية وقد صرّح بأن " بينما يطرح الإرهاب أسئلة صعبة أمام كل دولة, إلاّ نه يطرح أسئلة صعبة للغاية أمام الدول الديموقراطية بالذات إذ لا تكون كل وسيلة ناجعة وسيلة قانونية". وقد أرفق القاضي براك قائلاً, :"أحد دعائم الديمقراطية – حكم الأغلبية المتمثل بانتخاب ممثليها – قد يحث على اتخاذ جميع الخطوات الناجعة في محاربة الإرهاب حتى ولو أضرت بحقوق الإنسان... أما الدعامة الأخرى – حقوق الإنسان – فقد تحث على حماية حقوق أي فرد بما في ذلك الإرهابي ولو كان ذلك على حساب مكافحة الإرهاب."

منذ بدء انتفاضة الإرهاب في أكتوبر 2000, واجهت إسرائيل هجمات إرهابية متمثلة باعتداءات جسدية موجهة ضد مواطنيها, بل وحرباً إعلامية حول الرأي العام المحلي والعالمي على حد سواء. هذان الشكلان من الحرب يطرحان أمام إسرائيل تحدياً عظيماً بصفتها دولة التزمت الذود عن القيم الديمقراطية وحريات الفرد.

مع ذلك, يمكن ملاحظة اختيار إسرائيل اللجوء إلى قيم ديموقراطية في ردها على محاولات تهدف الحد من أحد مبادئ الديموقراطية وهي حرية التعبير عن الرأي. في هذا المجال وضعت إسرائيل طريقة, يمكن للديموقراطية بواسطتها التعامل مع تحديات النزاع القومي وفي الوقت ذاته الدفاع عن القيم الديموقراطية عامة وحرية التعبير عن الرأي خاصة.

حرية التعبير عن الرأي أكثر المبادئ تقييماً في الديموقراطية الإسرائيلية. في العام 1953, وبغياب دستور رسمي ومكتوب, اعترفت محكمة العدل العليا بحرية التعبير عن الرأي على أنها "حق سامٍ"  مشتق من وجود دولة اسرائيل ككيان ديموقراطي.

طالما ارتبط الاعتراف بأهمية حرية التعبير عن الرأي في اسرائيل بالاعتراف بأن حرية التعبير عن الرأي هي أداة ضرورية وأساسية لاستمرار الديموقراطية وللكشف عن الحقيقة واستيضاحها من خلال تكوين "سوق من الآراء الحرة". مع ذلك, نجد هذا الحق يتمشّى ومعيار حق الدولة في حماية مواطنيها. وكما هو الحال في دول ديموقراطية أخرى, وفي حالة المواجهة بين هذين الحقّين يجب موازنة حق التعبير عن الرأي بحذر مع اعتبارات الأمن القومي. في العام 1953, سنوات معدودة بعد حرب استقلال إسرائيل مع الدول العربية, أصدرت المحكمة العليا قرار حكم بالغ الأهمية, يقضي بعدم السماح للدولة بإغلاق صحيفة عربية انتقدت تصرفات الدولة, حتى ولو انطوى مثل هذا الانتقاد على ضرر للدولة. وباعتمادها الى حد ما على قرارات حكم أمريكية, ارتأت المحكمة احترام حق التعبير عن الرأي مهما كانت الظروف باستثناء بعض الحالات يتراكم فيها الخطر الى حد يكاد يكون خطراً فادحاً وأكيداً للأمن القومي أو النظام العام. وبغياب مثل هذا "الخطر الفادح والموشك" لا يمكن الحد من حرية التعبير عن الرأي.  

 إن حملة الانتفاضة الإرهابية, منذ نهاية عام 2000, والتي تميزت بالهجمات الانتحارية التفجيرية ضد المدنيين الإسرائيليين, خلقت وضعاً طرحت فيه الاعتبارات الأمنية تحدياً أمام التزام إسرائيل بتوفير مناخ يتيح حرية التعبير.

 

قضاة المحكمة العليا. التصوير: فلاش 90

مثلاً, نجد أن مخرج الأفلام الوثائقية محمد بكري,  قام بإجراء مقابلة مع الفلسطينيين في مخيم جنين للاجئين في أبريل-نيسان 2002 حيث دار قتال, راح ضحيته 23 جندياً إسرائيلياً و52 فلسطينياً. قام الفيلم باستعراض وجهة النظر الفلسطينية فقط للأحداث ولم يقدم بالمقابل وجهة نظر الإسرائيليين ممن تواجدوا هناك أيضاً.

وتم تحويل الفيلم الى مجلس الرقابة الإسرائيلي للأفلام للمصادقة عليه كما ينص قانون الأفلام السينمائية للعام 1927. قام المجلس بشطب الفيلم بالتصويت بالأغلبية النادرة بثمانية أصوات مقابل ثلاثة, بادعائه بأن الفيلم قد شوّه الأحداث ويدعو إلى الدعاية الإعلامية ضد الدولة ويكاد يشكل تحريضاً ضد الدولة ومن شأنه أن يدمر طبيعة إسرائيل الديموقراطية. تم تقديم التماس الى محكمة العدل العليا بهذا الشأن.

قامت محكمة العدل العليا بقبول الالتماس وبرفض قرار مجلس الرقابة الإسرائيلي للأفلام. رغم قرار المحكمة بأن الفيلم يمس بمشاعر شريحة واسعة من الإسرائيليين وبضمنهم الجنود الذين خاضوا القتال والعائلات الثكلى للجنود الذين سقطوا, ارتأت المحكمة أن المساس بالمشاعر, مهما كان فادحاً, ما هو إلا ثمن يجب على المجتمع الإسرائيلي تكبده مقابل الحفاظ على حرية التعبير عن الرأي. 

في كانون ثاني- يناير 2003, أجريت في اسرائيل انتخابات برلمانية. قامت الأحزاب العربية المتألّفة من مواطنين إسرائيليين بالتنافس على المقاعد البرلمانية أيضاً, واستخدم اثنان من الأحزاب العربية في دعايتها الانتخابية التلفزيونية العلم الفلسطيني, وهو علامة على التعاطف مع منظمة التحرير الفلسطينية. قام رئيس لجنة الانتخابات المركزية السادسة عشر وقاضي محكمة العدل العليا, ميخائيل حيشين, بحظر بث الدعاية بادعاء أن الانتخابات تدور للبرلمان الإسرائيلي وأن إسرائيل موجودة في "حرب مُرّة وبشعة" مع منظمة التحرير الفلسطينية.

تقدمت منظمة حقوق المواطن في إسرائيل بالتماس الى محكمة العدل العليا. وأكدت المحكمة على أهمية حرية التعبير عن الرأي خلال الدعاية الانتخابية بصفتها جزءاً من العملية الديموقراطية التي تتضمّن حق الاقتراع والترشّح للبرلمان. قبلت المحكمة الالتماس وقررت وجوب السماح بعرض الدعاية الانتخابية كاملة.  

في كلا الحالتين المذكورتين, وكما هو الحال في غيرها من المواقف, قبلت محكمة العدل العليا التحدي المتمثل في الدفاع عن المبدأ الديموقراطي وهو حرية التعبير عن الرأي, مع المحافظة على ثقة الناس في القانون في الوقت ذاته. تعكس قرارات المحكمة إيمانها بأن حرية التعبير عن الرأي تفوق بأهميتها الخوف من المساس بالمشاعر أو الخطر الممكن للأمن العام. من الجدير بالتنويه أن هذه الحماية أوسع من الحماية التي توفرها دول ديموقراطية أخرى تواجه نفس الظروف.

يفيد البروفيسور آلان ديرشوفيتس في كتابه " الحالة الإسرائيلية" (2003) : "اسرائيل دولة  ديموقراطية صغيرة يحيطها أعداء شرساء تحارب لأجل بقائها. وهي تخوض حرباً متشعبة ضد أعداء في داخلها ومن خارجها بالإضافة الى شعوب معادية ومجموعات تهدف الى نزع شرعيتها في المجتمع الدولي. إن الخطوات التي اتخذتها على مر السنين للدفاع عن مواطنيها ووجودها القومي بعيدة جداً عن الكمال ... والشيء ذاته إن لم يكن أسوأ منه ينطبق على غالبية الدول الديمقراطية الأخرى."

إن مدى دفاع إسرائيل عن الحريات الفردية حتى في زمن الحرب, مع العلم بأن لها حقّ عير متنازع عليه بالدفاع عن النفس وعن مواطنيها, يعبر عن التزامها بالحفاظ على نظام حكم ديموقراطي. تتعامل إسرائيل مع مثل هذا التوازن بشكل يومي. هكذا نجد أن القيود التي يفرضها القانون تنطبق أيضاً على قضايا مثل هدم منازل الإرهابيين والاعتقالات الإدارية بل وحتى التحقيق مع المشتبه فيهم بالضلوع في الإرهاب.

أيضاً, وحتى عند النظر في التماس حول قانونية مسار السياج الأمني الذي من شأنه أن يقلل من خطر دخول الإرهابيين إلى إسرائيل والقيام بعمليات تفجيرية مميتة, بمروره داخل حقول وقرى فلسطينية, حكمت محكمة العدل العليا, بالاستناد الى القانون الدولي والإسرائيلي أن بناء السياج ينبع من دافع أمني وليس سياسي. ولكنه في الوقت ذاته شددت المحكمة على أن على المسار أن يأخذ بالحسبان الاعتبارات الإنسانية والتوصل الى توازن بين هذين الأمرين."

تتبصّر إسرائيل طريقها في واقع غريب عن واقع بقية الدول الديموقراطية. إن الصراع نحو المحافظة على الصبغة الديموقراطية تحت الهجوم المستمر والمحيط المعادي ترك أثره على الجمهور الإسرائيلي. نجاحها في المحافظة على صبغتها الديموقراطية خلال رحلتها هذه هو أقوى دليل على التزام إسرائيل بذلك.

" من شأن أي توازن بين الأمن والحرية أن يفرض حدوداً على كلاهما. لا يمكن التوصل الى التوازن السليم إذا ما تم الدفاع المطلق عن حقوق الإنسان كما لو أن الإرهاب غير موجود. وبالمثل, لا يمكن التوصل الى التوازن السليم بمنح الأمن القومي حماية كاملة كما لو أن حقوق الإنسان غير موجودة. ان التوازن والتنازل هما ثمن الديموقراطية. يمكن فقط للديموقراطية القوية والآمنة والمستقرة أن تتحمل الدفاع عن حقوق الإنسان ويمكن للديموقراطية المرتكزة على حقوق الأنسان فقط أن تكون آمنة." القاضي أهرون براك.

الدكتور يوفال كرنيئيل, محرر " شعب أحرار في وطننا", من أبرز المحامين في مجال الإعلام في إسرائيل ومحاضر قانوني في مجال الاتصالات. ألف كتابين حول الإعلام وقوانينه.       

 

أرسل إلى صديق
اطبع المقال
الإضافة إلى قائمة المواقع المفضّلة
           
     الردود (feedback) | خارطة الموقع