"يجب على الشعوب الديمقراطية أن تحارب الإرهاب مع المحافظة على التوازن بين القيم والمبادئ المتضاربة وهي في أقلها اثنتين – علينا من جهة اعتبار مبدأ توفير الأمن للدولة ومواطنيها. أما حقوق الإنسان فليست مبرراً للدمار القومي ولا يمكنها أن تبرر الانتقاص من الأمن القومي في جميع الحالات وتحت كافة الظروف. وبالمقابل فإن الدستور ليس وصفة للانتحار القومي. لكن من جهة أخرى علينا اعتبار القيم والمبادئ المتعلقة بكرامة الإنسان وحريته. لا يمكن للأمن القومي أن ينتقص من حقوق الإنسان في جميع الحالات وتحت كافة الظروف, ولا يمكن للأمن القومي أن يسمح بالمسّ بالفرد بلا هوادة.
القاضي أهرون براك, رئيس محكمة العدل العليا الإسرائيلية
إن البروتوكول التقليدي لأوقات الحرب ليس نافعاً بالضرورة في محاربة الإرهاب. يواجه المجتمعات الديموقراطية في أيامنا تحدي الحرب على الإرهاب الذي يهدد بضرب الديموقراطية ذاتها. عليه تُواجه هذه الشعوب مهمة صعبة في مواجهة هذا النوع من الأعمال بسرعة وحزم.
تُواجه كل دولة صراعاً حول هويتها الحضارية والسياسية لتتوصل إلى حلّّ عادل لهذه المسألة وهكذا هو الحال تماماً بالنسبة لإسرائيل.
إسرائيل ومن خلال التزامها كدولة بحماية القيم المتعلقة بالحريات الفردية والكرامة الإنسانية, تجد نفسها مضطرة للرد على الهجمات الإرهابية المستمرة والعنف والدعاية الموجهة ضدها بشكل يتلاءم وسلطة القوانين الديموقراطية. كان لمحكمة العدل العليا دوراً رئيسياً في الصراع لتثبيت مبادئ الأمة الديمقراطية. كما قال رئيس المحكمة العليا القاضي أهارون براك, "يجب أن تتم مكافحة الإرهاب بضمن القانون ومن خلال الآليات القانونية والمتفق عليها في دولة ديموقراطية".
تدافع المحكمة في العديد من الحالات عن مواقف مخالفة لرأي بعض من الجمهور الإسرائيلي أو الشخصيات السياسية الإسرائيلية.
إن مكانة إسرائيل الفريدة كدولة ديمقراطية حقيقية وحيدة في الشرق الأوسط وحقيقة أن موجة الإرهاب المستمرة ضدها تهدد كيانها, يجب أن تتخذ مؤسساتها الأمنية خطوات سريعة وحازمة لحماية الجمهور الإسرائيلي ومنع المزيد من الهجمات. أحياناً تتصادم الخطوات الهادفة للحماية مع حقوق الأفراد الضالعين في الإرهاب.
يعي القاضي براك هذه القضية وقد صرّح بأن " بينما يطرح الإرهاب أسئلة صعبة أمام كل دولة, إلاّ نه يطرح أسئلة صعبة للغاية أمام الدول الديموقراطية بالذات إذ لا تكون كل وسيلة ناجعة وسيلة قانونية". وقد أرفق القاضي براك قائلاً, :"أحد دعائم الديمقراطية – حكم الأغلبية المتمثل بانتخاب ممثليها – قد يحث على اتخاذ جميع الخطوات الناجعة في محاربة الإرهاب حتى ولو أضرت بحقوق الإنسان... أما الدعامة الأخرى – حقوق الإنسان – فقد تحث على حماية حقوق أي فرد بما في ذلك الإرهابي ولو كان ذلك على حساب مكافحة الإرهاب."
منذ بدء انتفاضة الإرهاب في أكتوبر 2000, واجهت إسرائيل هجمات إرهابية متمثلة باعتداءات جسدية موجهة ضد مواطنيها, بل وحرباً إعلامية حول الرأي العام المحلي والعالمي على حد سواء. هذان الشكلان من الحرب يطرحان أمام إسرائيل تحدياً عظيماً بصفتها دولة التزمت الذود عن القيم الديمقراطية وحريات الفرد.
مع ذلك, يمكن ملاحظة اختيار إسرائيل اللجوء إلى قيم ديموقراطية في ردها على محاولات تهدف الحد من أحد مبادئ الديموقراطية وهي حرية التعبير عن الرأي. في هذا المجال وضعت إسرائيل طريقة, يمكن للديموقراطية بواسطتها التعامل مع تحديات النزاع القومي وفي الوقت ذاته الدفاع عن القيم الديموقراطية عامة وحرية التعبير عن الرأي خاصة.
حرية التعبير عن الرأي أكثر المبادئ تقييماً في الديموقراطية الإسرائيلية. في العام 1953, وبغياب دستور رسمي ومكتوب, اعترفت محكمة العدل العليا بحرية التعبير عن الرأي على أنها "حق سامٍ" مشتق من وجود دولة اسرائيل ككيان ديموقراطي.
طالما ارتبط الاعتراف بأهمية حرية التعبير عن الرأي في اسرائيل بالاعتراف بأن حرية التعبير عن الرأي هي أداة ضرورية وأساسية لاستمرار الديموقراطية وللكشف عن الحقيقة واستيضاحها من خلال تكوين "سوق من الآراء الحرة". مع ذلك, نجد هذا الحق يتمشّى ومعيار حق الدولة في حماية مواطنيها. وكما هو الحال في دول ديموقراطية أخرى, وفي حالة المواجهة بين هذين الحقّين يجب موازنة حق التعبير عن الرأي بحذر مع اعتبارات الأمن القومي. في العام 1953, سنوات معدودة بعد حرب استقلال إسرائيل مع الدول العربية, أصدرت المحكمة العليا قرار حكم بالغ الأهمية, يقضي بعدم السماح للدولة بإغلاق صحيفة عربية انتقدت تصرفات الدولة, حتى ولو انطوى مثل هذا الانتقاد على ضرر للدولة. وباعتمادها الى حد ما على قرارات حكم أمريكية, ارتأت المحكمة احترام حق التعبير عن الرأي مهما كانت الظروف باستثناء بعض الحالات يتراكم فيها الخطر الى حد يكاد يكون خطراً فادحاً وأكيداً للأمن القومي أو النظام العام. وبغياب مثل هذا "الخطر الفادح والموشك" لا يمكن الحد من حرية التعبير عن الرأي.
إن حملة الانتفاضة الإرهابية, منذ نهاية عام 2000, والتي تميزت بالهجمات الانتحارية التفجيرية ضد المدنيين الإسرائيليين, خلقت وضعاً طرحت فيه الاعتبارات الأمنية تحدياً أمام التزام إسرائيل بتوفير مناخ يتيح حرية التعبير.